محمد متولي الشعراوي

5889

تفسير الشعراوى

ونلمح هذه المسألة التقنينية في قصة سيدنا سليمان عليه السّلام حين علم أن ملكة سبأ تسير في الطريق إليه لتعلن إسلامها ، وأراد سيدنا سليمان عليه السّلام أن يأتي لها بعرشها من مكانه قبل أن تصل . فقال لمن هو في مجلسه : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . . ( 38 ) [ النمل ] وهذا يدل على أنه كان في مجلسه أجناس مختلفة ، ولكل جنس منهم قدرات مختلفة عن قدرات الجنس الآخر ، ونقل العرش من اليمن إلى مكان سيدنا سليمان عليه السّلام يحتاج إلى زمن وإلى قوة ، فلو أنهم كانوا متساوين في قدراتهم ما قال : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي . . ( 38 ) [ النمل ] فكان أول من تقدم لتنفيذ ما أراده سليمان عفريت من الجن - لا جنّا عاديّا ، فمن الجن من هو خائب قليل الذكاء ، ومنهم من هو ذكى ، فهم وإن كانوا من جنس واحد فهم متفاوتون أيضا ، وكان عفريت الجن هو أول من تكلم ، وقال : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ . . ( 39 ) [ النمل ] ولكن مقام سليمان قد يستمر ساعة أو بضع ساعات « 1 » ، والمتكلم هو عفريت من الجن الذي يعلم أن له صفات أقوى من صفات الإنس . أما الإنس العادي - ممن كان حاضرا مجلس سليمان - فلم يتكلم ؛ لأن المطلوب ليس في قدرته ، أما الذي تكلم من الإنس فهو من عنده علم من الكتاب ، فقال : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ . . « 2 » ( 40 ) [ النمل ] ولم يأخذ الأمر شيئا من الزمن ؛ لذلك عبّر القرآن التعبير السريع بعد ذلك ، فقال : فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي . . ( 40 ) [ النمل ]

--> ( 1 ) كان سليمان عليه السّلام يجلس للقضاء بين الناس في مظالمهم من أول النهار إلى أن تزول الشمس . ( 2 ) الطرف : طرف العين ، وهو أيضا إطباق الجفن على الجفن . ( اللسان : مادة طرف ) .